أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

91

نثر الدر في المحاضرات

الحجاج عن طاعتي وبلائي ، فقال الحجّاج : يا أمير المؤمنين ، لقد أخلص الطّاعة ، وأبلى الجميل ، وأظهر البأس ، من أيمن النّاس نقيبة ، وأعفهم سيرة . فلما بلغ آخر التّقريظ قال عمارة : أرضيت يا أمير المؤمنين ؟ قال : نعم فرضي اللّه عنك . قال عمارة : فلا رضي اللّه عن الحجاج يا أمير المؤمنين ، ولا حفظه ولا عافاه ، وهو الأخرق السيئ التّدبير ، الذي قد أفسد عليك العراق ، وألّب عليك الناس ، وما أوتيت إلا من خرقه وقلة عقله ، وفيالة رأيه « 1 » ، وجهله بالسّياسة ، ولك يا أمير المؤمنين منه أمثالها إن لم تعزله . فقال الحجّاج : مه يا عمارة ، فقال : لا مه ولا كرامة يا أمير المؤمنين ، كلّ امرأة لي طالق وكلّ مملوك لي حرّ إن سرت تحت راية الحجاج أبدا . فقال عبد الملك : ما عندنا أوسع لك . خطب رجل امرأة فقالت له : إنّ فيّ تقزّزا ، وأخاف أن أرى منك بعض ما أتقزّز منه فتنصرف نفسي عنك . قال الرّجل : أرجو ألا تري ذلك . فتزوّجها فمكثت أيّاما ثمّ قعد معها يتغذّى فلما رفع الخوان تناول ما سقط من الطعام تحت الخوان فأكله ، فنظرت إليه وقالت : أما كان يقنعك ما على ظهر الخوان حتّى تلتقط ما تحته قال : إنّه بلغني أنه يزيد في القوّة على النيك ، فكانت بعد ذلك تفعله ، وتفتّ له الخبز كما تفت للفرّوج . قال الكنديّ « 2 » : كان فيما مضى رجل زاهد وقع عليه من السلطان طلب ، فبقي مدلّها لا يدري ما يصنع وذاك أنّه أذكيت عليه العيون ، وأخذت له المراصد ، فجاء إلى طنبور « 3 » ، فأخذه ولبس ثياب البطّالين ، وتعرّض للخروج من باب البلد ، فجاء إلى الباب وهو يتهادى في مشيته كالسّكران ، فقالت العيون له عند الباب : من أنت ؟ قال : من أنا ؟ ومن ترى أكون ؟ أنا فلان الزّاهد . وقاله متهزّئا . فقال القوم متضاحكين : ما أحمقه ! وخلّوا سبيله . فخرج ونجا وإنّما فعل ذلك لئلّا يكذب .

--> ( 1 ) فيالة رأيه وفيولته : ضعفه . ( 2 ) الكندي : هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصباح بن عمران بن إسماعيل بن محمد بن الأشعث الكندي البصري ثم البغدادي ، المعروف بالكندي فيلسوف العرب وأحد أبناء ملوكها ، كان عارفا بالطب والرياضيات والمنطق وسائر العلوم . ولد بالبصرة ، وتوفي ببغداد سنة 260 ه ، له المئات من المصنفات ( انظر كشف الظنون 6 / 537 - 543 ) . ( 3 ) الطنبور : من آلات الموسيقي ، فارسي معرب .